الشيخ محمد اليعقوبي

36

خطاب المرحلة

المدينة المنورة أنه كيومٍ مات فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأن المدينة ضجّت بأهلها حزناً على فقده حتى أن مثل مروان بن الحكم الباغي عليهم والذي قسى قلبه فهو كالحجارة أو أشد قسوة كان يحضر إلى البقيع ويستمع إلى البكاء والمراثي التي كانت تنشدها أم البنين زوجة أمير المؤمنين أم العباس وأخوته فيبكي معهم كما روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين . وكان متواضعاً يمشي وسط الناس ويجالس العبيد ويأكل معهم ، مشى من المدينة إلى مكة المكرمة ( 480 كيلومتراً ) حاجا عشرين حجة ماشيا على قدميه وإن النجائب ( الخيول الأصيلة ) لتقاد بين يديه لإركاب العاجز والضعيف تعظيما للبيت الحرام وتواضعا لله تبارك وتعالى ، وكان لا يسير في الطريق العام خشية أن يتهافت عليه الناس تعظيما وتقديسا له وتبركا به ويقول ( عليه السلام ) ( لا أريد أن أأخذ من رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر مما أعطيه ) . وأما معرفته برّبه فهو سيد العارفين وابن سيد العارفين ، ويتعلم من دعائه الشريف يوم عرفة العرفاء الشامخون وفيه يخاطب ربه راهباً متضرعاً ( كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقرٌ إليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المُظهِرُ لك ، متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليلٍ يدلُّ عليك ، ومتى بعُدتَ حتى تكون الآثارُ هي التي توصل إليك ، عميت عين لا تراك عليها رقيبا ، وَخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حُبكَ نصيباً ) ويناجي ربه وهو صريع قد فَقَدَ أحبته وأولاده وإخوانه ( إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى ، لك العتبى يا رب ) . هكذا كانت أيام الحسين ( عليه السلام ) كلها عظمة ونبل وسمو وأخلاق فاضلة وشجاعة وبطولة وكرم وإباء وهداية إلى السعادة والكمال . فلننهل من سِفرِ الحسين ( عليه السلام ) كل هذه المآثر ولنأخذ من كل أيام الحسين ( عليه السلام ) وإن كان يوم الطف وحده كافياً ولذا قيلت الكلمة المشهورة ( سُفرةُ الحسين واسعة ) لأن كل من طلب الكمال والعظمة بكل جوانبها وجدها في